محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
118
كشف الأسرار النورانية القرآنية
وفيها مسائل : ( المسألة الأولى ) : ( اعلم ) أن في هذه الآية الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، وبعجائب أحوال النبات . ( واعلم ) أن الماء المنزل من السماء هو المطر أما كون المطر نازلا من السماء أو من السحاب فقد تقدم ذكره موضحا ، والحاصل أن ماء المطر قسمان : ( القسم الأول ) : هو الذي جعله اللّه تعالى شرابا لنا ولكل حي وهو المراد بقوله : لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ [ النّحل : الآية 10 ] . وقد بين اللّه تعالى في آيات أخر أن هذه نعمة من النعم الجزيلة فقال : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : الآية 30 ] . فإن قيل : أتقولون إن شرب الخلق لا يكون إلا من المطر ، أم تقولون قد يكون منه ومن غيره ، وهو الماء الموجود في قعر الأرض . أجاب القاضي بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف شربنا من غيره . ولقائل أن يقول : ظاهر الآية يدل على الحصر لأن قوله : لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ [ النّحل : الآية 10 ] . يفيد الحصر ؛ لأن معناه منه لا من غيره ، إذا ثبت هذا فنقول : لا يمتنع أن يكون الماء العذب الذي تحت الأرض من جملة ماء المطر ، ويسكن فيها ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [ المؤمنون : الآية 18 ] . ولا يمتنع « 1 » هذا أيضا في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر مثل نيل مصر . ( القسم الثاني ) : من المياه النازلة من السماء ما يجعله اللّه سببا لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله : وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [ النّحل : الآية 10 ] . إلى آخر الآية وفيه بحثان : ( الأول ) : ظاهر الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالشجر الكلأ والعشب ، وهاهنا قولان : ( الأول ) : قال الزجاج : كل ما ينبت على الأرض فهو شجر وأنشد شعرا : نطعمها اللحم إذا عز الشجر
--> ( 1 ) قوله : ولا يمتنع هذا . . . إلخ . كذا بالأصل ، ولعل الصواب ولا يمتنع هذا أيضا في غير العذب ، وهو البحر الملح وأن يكون . . . إلخ . فتأمل . اه .